محمد بن جرير الطبري

17

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وأصل " الخشوع " : التواضع والتذلل والاستكانة ، ومنه قول الشاعر : ( 1 ) لما أتى خبر الزبير تواضعت . . . سور المدينة والجبال الخشع ( 2 ) يعني : والجبال خشع متذللة لعظم المصيبة بفقده . * * * فمعنى الآية : واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة الله ، وكفها عن معاصي الله ، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر ، المقربة من مراضي الله ، العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين لله ، المستكينين لطاعته ، المتذللين من مخافته . * * * القول في تأويل قوله تعالى { الَّذِينَ يَظُنُّونَ } قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : وكيف أخبر الله جل ثناؤه عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة ، أنه " يظن " أنه ملاقيه ، والظن : شك ، والشاك في لقاء الله عندك بالله كافر ؟ قيل له : إن العرب قد تسمي اليقين " ظنا " ، والشك " ظنا " ، نظير تسميتهم الظلمة

--> ( 1 ) الشعر لجرير . ( 2 ) ديوان جرير : 345 ، والنقائض : 969 ، وقد جاء منسوبا له في تفسيره ( 1 : 289 / 7 : 157 بولاق ) ، وطبقات ابن سعد : 3 / 1 / 79 ، وسيبويه 1 : 25 ، والأضداد لابن الأنباري : 258 ، والخزانة 2 : 166 . استشهد به سيبويه على أن تاء التأنيث جاءت للفعل ، لما أضاف " سور " إلى مؤنث وهو " المدينة " ، وهو بعض منها . قال سيبويه : " وربما قالوا في بعض الكلام : " ذهبت بعض أصابعه " ، وإنما أنث البعض ، لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه ، ولو لم يكن منه لم يؤنثه . لأنه لو قال : " ذهبت عبد أمك " لم يحسن . ( 1 : 25 ) . وهذا البيت يعير به الفرزدق بالغدر ويهجوه ، فإن الزبير بن العوام رضي الله عنه حين انصرف يوم الجمل ، عرض له رجل من بني مجاشع رهط الفرزدق ، فرماه فقتله غيلة . ووصف الجبال بأنها " خشع " . يريد عند موته ، خشعت وطأطأت من هول المصيبة في حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن قبح ما لقي من غدر بني مجاشع .